عن حرية الإبداع و قيد الحرية
هناك علاقة طردية بين الحرية و المسئولية .. نعم فالحرية أيضاً لها قيد هو قيد المسئولية ، فكلما زادت حرية الفرد زادت مسئوليته ، و أنا لا أتحدث هنا من منظور محافظ و لكني أتخلى عن كل المناظير و أتحدث بشكل شامل ، فأياً كان توجه الفرد تفرض حريته عليه في المقابل أن يتولى مسئوليتها و نتائجها .. الشخص الناضج له حرية الرجوع إلى منزله وقتما شاء لكن عليه أن يتولى مسئولية الدفاع عن نفسه إذا ما اعترض طريقه بعض قطاع الطريق ، كذلك حرية الإبداع فهي في رأيي لا يمكن أن تكون نسبية طبقاً للأعراف الاجتماعية و لكنها يجب أن تكون نسبية طبقاً لمسئولية المبدع عنها ، فقد يؤمن بعضنا بأن معظم ما يقدم حالياً من فن محض ابتذال و لكن من الذي يحدد المعايير ؟ معايير المجتمع نسبية و لا يمكن أن نعتبرها مطلقة فجميع أمور الدنيا نسبية عدا الدين فهو مطلق ، و لا يمكننا أن نحيك المعايير على قياس من بيده السلطة و الأمر في الآن ذاته ..
إذاً فنحن لا يسعنا أن نمنع تقديم شيء بالقوة .. المحاربة بالقوة ستؤدي لنتائج عكسية ، لكننا هنا يجب أن نحارب الفكر بالفكر ، فلا يفل الحديد إلا الحديد ، و أى فعل متشدد في هذا الجانب يقابله رد فعل متشدد في الجانب الآخر .. فنكون فعلنا كما يقول المثل الروسي " محاولة ثني العصى في اتجاه فتنثني في الاتجاه الآخر " ! .. الفكر الذي سيحارب بطريقة هوجاء سينتشر و يسود طال الزمن أو قصر و العكس صحيح .. الفن الحقيقي يفرض نفسه أينما و وقتما وجد ، و مهمة الفن الحقيقية هى أن يرتقي بمشاعر البشر و يجعلهم أكثر تفتحاً و ثقافة و إحساساً بالمسئولية و إدراكاً للواقع العام ، و قد ترتقي مهمته إلى علاج المشكلات المختلفة و ليس مجرد التعبير عنها و إيصالها للناس ، لذا فالفن في حد ذاته يؤدي إلى نبذ الابتذال و الضحالة الفكرية و التفاهة لا المزيد من الانحطاط إلى المجتمع !
" تعلموا الفنون و أغلقوا السجون " .. منذ أعوام قليلة لم تجاوز العقد بعد احتفلت السويد بمحو الأمية الموسيقية! لم يكن للخبر صدى كبير لأننا لا نعير أذهاننا لمثل هذه الأخبار لكن دعونا نتوقف قليلاً عنده .. لم قد تحتفل دولة من أغنى الدول في العالم و أكبرها في متوسط دخل الأفراد الشهري بمحو الأمية الموسيقية ؟! حقيقةً هم لا ينظرون للفن على أنه تسلية أو تقضية وقت ، لكنهم ينظرون له على أنه حياة توازي الحياة و مدرسة غير التي نألفها و مشفى غير الذي نرتاده حين نمرض فسيولوجياً ! أصحاب النظرة الأبعد أدركوا أنهم بهذا سيقللون من معدلات الجريمة و الإدمان و التفكك الأسري و غيرها من مشكلات المجتمع ، فقط بأن يعرف كل مواطن كيف يعزف آلة موسيقية أو يدندن في كورال جماعي !
إذاً فنحن في حاجة حقيقية لنشر الفن الحقيقي لكي ينبذ المجتمع العبث تلقائياً .. نحن في حاجة لفن يتبنى مواضيع عدة و أفكار أكثر و ليس مجرد فن تجاري مستهلك حتى و إن كان جيد في منظورنا جميعاً لكنه لا يضيف جديداً ! مشكلة الفن التجاري أنه دائماً يبحث عن الاستهلاك .. حتى و إن عبر عن قضية مهمة فهو يتناولها بطريقة يهبط فيها لمستوى المستقبل بدلاً من أن يرتقي المستقبل لمستواه ! يبحث دائماً عن الربح و ليس عن الفائدة ، لهذا أرى أنه من المفيد جداً تشجيع الفن غير المستهلك ( المغمور ) أو ما يسمى بالunderground فهو يتناول قضايا مهمة عصرية و قديمة و مختلفة و متشتتة دون أن يهبط لأى مستويات دنيا لكنه يجد مستمعه وسط كل هذا الزحام الذي نعيشه و رغم كل الظروف .. مستمعه الذي كلما استمع أكثر كلما ازدادت ثقافته و اتسعت مداركه حتى أوشك أن يصبح كالمخبول وسط هذا المجتمع الذي نحيا به !
أرى أيضاً أننا أمام قضية تطرح كثيراً في الإعلام بجهل من المستقبل و من المقدم في الآن ذاته .. موسيقى ( الميتال و الروك ) التي أصدعوا رءوسنا بأنها موسيقى عبدة الشيطان إلى آخر كل ذلك الهراء ! لمن لا يعلم فموسيقى الروك أو الميتال قد عبرت عن مواضيع لم يسبقها في التعبير عنها أى نوع من أنواع الموسيقى ، من عبر عن معاناة ضحايا الحرب و أهاليهم بمثل تلك القوة ؟ من عبر عن الثورة و الغضب بمثل تلك القوة ؟ لن تجد .. لأن النوتة الموسيقية و ( هى التي تحدد نوع الموسيقى ) قد تحمل إحساس الشجن و الحزن أو تحمل إحساس الفرح و النشوى أو تحمل إحساس التمرد و الثوران ! لكنها أبداً لن تحمل معنى الكفر يا سيدى ! فهى مجرد نوتة موسيقية !
دعك من بعض الفرق التي تمارس طقوساً من نوع خاص ، أو ممن يستمعون لهذا النوع من الموسيقى لمجرد أنه صاخب و رءوسهم لا تحمل سوى الأفكار الانتقامية فالتعميم لا يصح ، عن نفسي أستمتع بسماع ( الست ) أم كلثوم و أستمتع بالمقطوعات الكلاسيكية الأوبرالية و أستمتع بسماع ( الميتال ) و لكني لا أتعاطى المخدرات و لا أزور القبور ليلاً و لا أشرب دماء البشر .. تخيل ! لكني فقط أقدر الفن .. من حقك ألا تستمع لكل هذا .. من حقك أن تزدري هذه الأنواع من الفن لكن ليس من حقك أن تحتقرني أو تحتقر أى انسان لمجرد اختلافه الفكري \ الأيدولوجي \ الديني \ المظهري معك ، و ليس من حقك أن تمنعه من الاستمتاع بما يحب طالما أنه لا يضرك ، و لا أن تحاسبه فالله وحده سيحاسبنا جميعاً ...
دعونا نتقبل اختلافنا و لو مرة ، دعونا ننسى الإقصاء لفترة و نتحارب حرب فكرية بحتة حيث لا مجال لمن يتكلم بلا منطق ، فلا يمكننا أن نتناقش دون أرضية ثابتة مشتركة يقوم عليها النقاش ستكون هنا هى المنطق .. فأنا لا يمكنني أن أتناقش معك حول دوران الكواكب حول الشمس و دوران الأقمار حول الكواكب و أنت لا تؤمن أصلاً بأن الأرض كروية !
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق