
كان ينظر لأمامه في ثبات إلى اللا شيء .. فقط يحملق ساهماً واجماً حالماً في المجهول .. نبهه صوت أحد المارة يتحدث مع آخر " هم ولاد الكلب دول فاكرينا صهاينة ؟! دول لا رحموا راجل و لا بنت و لا طفل ! " فيجيبه الآخر بالصمت الثقيل المهيب فقط تبدو على وجهه نظرة خيبة و حزن و قلة حيلة
عاد للنظر يميناً و يساراً من مكانه الذي تعود أن يقبع به كل ليلة يرقب المارة و الجالسين من حوله .. أحياناً أخرى يشعر أن هناك من يراقبه كما يفعل
فيتلفت حوله يمنة و يسرة بعصبية لا إرادية .. لاشيء .. قد لا يقدر على أن يميز الذئاب أبداً و قد تكون مجرد هواجس !
في مثل هذا الوقت من كل يوم تبدأ الحركة في الهدوء و يبدأ الجميع في سرد ما تعرضوا له خلال يومهم الحافل ، و البعض الآخر يكتفي بالاستماع في صمت ثم ينام معظمهم بعد يوم شاق ، و قد توقظهم غارة أخرى ليلية على غير توقع فيهبوا مذعورين .. لكن هذه الليلة أبت الجفون أن تغمضحتى من أغمض عينيه و أراح رأسه إلى الرصيف أبى عقله النوم .. ظل هو جالساً بلا حراك و البرودة تجتاح أوصال الجميع كأنها تنخر العظام
أراح رأسه إلى الجدار خلفه .. يأبى المشهد أن يختفي عن ناظره .. لا يستطيع أن ينبس ببنت شفة وكلما حاول أن يغمض عينيه لينسى عض شفتيه ألماً و مرارةً
طلع الصباح بغير شمس .. أو هكذا أحسوا جميعاً و لم يذوقوا طعم النوم لحظة .. لكنهم حمدوا الله أن الليلة قد مرت بسلام على خلاف سابقاتها
وصلت هى بعد طلوع الصباح بساعتين .. تحملق في الوجوه علها تجد كل الوجوه التي ألفتها لكن بعضها ناقصة.. و بعضها جديدة غير أى وجوه ألفتها تماماً
جو عام كئيب يسيطر على الجمع وآثار معركة غاشمة ما زالت ظاهرة .. أحجار مكسرة هنا و هناك تملأ الأرض وفوارغ الرصاصات تجد منها واحدة كل ثلاثة أمتار
حينها رأته .. جالساً كما هو لا يبدو أى تعبير على وجهه لا يحرك ساكناً .. توجهت إليه بما تحمله فلم يلحظها ! بادرت بالتحية فلم يسمعها ! وقفت أمامه مباشرة و لوحت بيدها أمام عينيه عندها فقط شعر بوجودها ، نفض رأسه في محاولة للعودة لوعيه .. " صباح الخير .. "
" صباح النور " رد باقتضاب و عاد لصمته على غير عادته ثم أخذ يرقب ما حوله بإمعان كمن استيقظ من نومه للتو أو كطفل تائه في مدينة لا يعرفها
" انت مش طبيعي ! " ادار رأسه إليها بلا جواب ثم عاد لوضعه .. لا يريد أن يتحدث شعرت هى بهذا فاحترمت رغبته " .... هرجعلك "
استدارت فشعرت بعينه _ دون أن تراه _ تنظر لها في تراجع و لكنها مضت .. يعود لوضعه محدقاً في الأرض هذه المرة
عادت إليه بعد مدة و قد غادرت نظرة الأمل عينيها على غير رجعة .. جلست إلى جواره لا تقدر على النطق ثم قالت أخيراً بنبرة حزن و يأس " يا رب ... "
نظر إليها و كأنها قد نبهته لشيء .. أخرج علبة سجائره و أشعل لفافة .. أخذ نفسين أو ثلاثة ثم قال مطرقاً في الأرض " مبقتش قادر أفكر "أطرقت هى الأخرى في صمت فاستطرد " ليه أتعرف على واحد و بعدها بربع ساعة أشيله سايح في دمه عالمستشفى و بعدها بساعة يبلغوني أروحله المشرحة .. "
لم تجرؤ أن ترد أما هو فأخذ يدخن لفافة تلو الأخرى حتى جاء النداء .. نقرات متتابعة على أحد أعمدة النور كالنفير المنذر بما هو قادم
قامت هى مفزوعة بينما ألقى هو سيجارته ثم داسها بقدمه في حركة روتينية بغير اكتراث ثم قال " امشي انتي أحسن دلوقتي " .. تركها و تقدم في تأهب
لم تعتد منه هذا أبداً لكنها لن تمضي في سبيلها و تتركهم على أى حال .. التفت فرآها لم تزل في موضعها تقف في شبه ذهول .. نظر لها نظرة ذات معنى
شعر بان النقاش لن يجدي فالتفت مجدداً في غير اهتمام و تقدم أكثر و أكثر بينما بقت هى بالخلف .. قدم ما هو قادم و لم يستطيع احد أن يصمد
بدأوا في الجرى متراجعين حين بدأ اطلاق الرصاص .. تراجعوا .. تراجعوا .. لا تذكر كم تراجعوا و لا متى فقدوا كل هذا الكم من العدد
لكنها فقط تذكر أنها نظرت خلفها لوهلة فرأت وجه أحدهم .. لا يختلف عنهم أبداً .. وجه أسمر آخر ملامحه مصرية لكنها قد تكون _ في نظره _ غير مصرية ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق